عاجلقرأت لك

النفوذ والصراع الأممى على سوريا (8》

يوميات مراسل صحفى فى دمشق

مهمة صحفية إلى مدينة القنيطرة في هضبة الجولان 

يرويها … سعيد محمد أحمد 

 

قلب دمشق، وتحديدا ومن على “جبل قاسيون” المطل على العاصمة، وبالقرب من “قصر الشعب” قصر الحكم، والذى يقع على بعد ما يزيد على 50 كم من الجولان السورى المحتل، تستطيع أن ترى بالعين المجردة ” شبكة من أبراج المراقبة الإسرائيلية” والقابعة على جبل الشيخ بإتجاه “الجولان”، والتى ترصد كل شىء حتى أرقام السيارات التى تسير بقلب دمشق وبالقرب من قصر الشعب.

الزيارات إلى مدينة القنيطرة لا تتم دون موافقة وزارة الإعلام، ولايسمح لأحد منفردا بالذهاب إلى هناك سوى عبر موافقات وترتيبات أمنية مسبقة، كانت الزيارات إلى القنيطرة تتم خلال الإحتفالات وإقامة المهرجانات، وفى المناسبات القومية أو فى مواقف سياسية وشعبية من قبل المواطنين السوريين المقيمين فى القرى السورية الخمس المحتلة، ” مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قنية- والغجر”،

وتقع الأخيرة على الحدود بين الجولان ولبنانية، والتى تمثل اشكالية كبيرة بين دمشق وبيروت، ومدى تبعية تلك القرية، فالسوريين يقولون أنها سورية واللبنانيون من وجهة نظر جماعة حزب الله يرونها لبنانية، وذلك بسبب عدم ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، ويجرى استغلالها من قبل “حزب الله” باعتبارها شوكة فى خاصرة اسرائيل وفقا لرؤية حزب الله للمناوشة مع اسرائيل ولكن دون جدوى، فالزيارات لهضبة الجولان وتحديدا لمدينة القنيطرة المحررة.

تجرى سواء لإعلان تجديد البيعة للقائد المفدى حافظ الأسد، أو رفضا لبعض قوانين الإحتلال كـ”قانون الجنسية” أو قرارات ضمها إلى إسرائيل، أو من خلال بعض المظاهر الإجتماعية فى مناسبات الأعياد أو حالات الزواج أو ما يتعلق منها بالدراسة فى الجامعات السورية.

الزيارة الأولى “لى”، إلى مدينة القنيطرة المحررة كانت فى صيف عام 1996، وقمت بها بعد عدة أسابيع من إستلام مهام عملى كمراسل صحفى، وجرت تلك المهمة الصحفية ضمن وفد صحفى ضم العديد من مراسلى وكالات الأنباء العربية والأجنبية وبعض كبار الكتاب الصحفيين المصريين منهم الكاتب الصحفى الراحل مدير تحرير جريدة الأهرام إحسان بكر، والكاتب الصحفى المخضرم الراحل محمود عوض أحد أهم كتاب جريدة أخبار اليوم، والكاتب الصحفى الراحل رئيس التحرير الأسبق لجريدة الأهالى “عبد العال الباقورى”، وبعض الصحفيين العرب عن بعض الصحف العربية، ولتتوالى الزيارات لها منذ عام 1996 وتمتد لما بعد عام 2007..

فوزارة الإعلام السورية، هى المنوطة بترتيب الزيارات إلى مدينة القنيطرة المحررة، حيث جرى ترتيب زيارة جمعت كافة المراسلين والصحفيين المصريين والعرب بمقر الوزارة، للتحرك فى قول من السيارات إلى “الجولان” باتجاه مدينة القنيطرة المحررة، المسافة ليست بالطويلة ولكن الوصول إليها عبر العديد من الطرق الجبلية المتعرجة والضيقة والمرتفعات المتقطعة تتخلها العديد من القرى السورية، حيث إستغرقت الرحلة قرابة الساعتين، حتى وصلنا إلى منطقة “عين التينة”.
ولدى وصول الوفد إلى أبواب ” القنيطرة” تملكت الصدمة الجميع عند رؤيتها ومنذ الوهلة الأولى، وكأنك تسير بين أطلال مدينة مدمرة تدميرا شاملا لا ترى فيها سوى الأشباح تطل عبر جدران المنازل المدمرة .

فلا ترى بيتا واحدا مقاما ولا حتى جدارا واحدا لمنزل، فجميع ما تراه عبارة عن ركام، المشهد بالنسبة للجميع من الزملاء كان مشهدا مؤلما من الحسرة التى تعصر القلوب والنفوس وبما يعبر عن حجم المأساة جراء هزيمة يونيو 1967، لأستعيد ذات الذكريات المؤلمة لما جرى لنا فى مصر عقب هزيمة 67 من تهجير لسكان ثلاث مدن مصرية “بورسعيد والإسماعيلية والسويس” وتوزيعهم على العديد من المحافظات المصرية، وكأن القنيطرة تبكى سكانها كما تبكى جدرانها ما حوته من ذكريات ساكنيها الذين هجروها قسرا وقهرا وحسرة وليس رغبة وأملا فى غد أفضل.
فى الجولة غير مسموح بالسير بين طرقات المدينة المهجورة، وإنما تتجول بعينيك مع ماتشاهده من نافذه الحافلة من مشاهد تدمير متنوعة، وتتوقف الحافلة وفقا لتعليمات سائقها أين يقف وفى أى موقع تحديدا؟.. فإذا بنا نقف أمام مدرسة مدمرة و”مستشفى القنيطرة” والتى لاتحمل سوى عنوانها، لنفاجأ بالوقوف أمام تمثال لجندى مصرى، البعض تصور أنه ضمن الجنود الذين حاربوا بجوار أشقائهم السوريين على الجبهة السورية، فإذا بلوحة بجوار التمثال مكتوب عليها الشهيد الجندى”مصطفى خاطر”، وليبقى السؤال وما علاقة الجندى المصرى بتدميرالقنيطرة؟، فالجندى “مصطفى خاطر” هو الذى أطلق النار على “أتوبيس سياحى” كان يقل فوجا من السياح الإسرائيليين خلال توجههم إلى القاهرة عبر سيناء وقتل عددا منهم، وأودع السجن لإجراء التحقيقات حول ملابسات الحادث إلا أنه وجد “مشنوقا” فى محبسه، وجرى إستغلال تلك الواقعة وذلك المشهد فى إطار المتاجرة بها ضد مصر خلال فترة “القطيعة” فى حملة كانت شديدة الضراوة إستغلها الجانب السورى لأهداف سياسية حينها..

وعقب الجولة داخل المدينة توجه الوفد الصحفى إلى منطقة رأس”عين التينة”، وهى عبارة عن “تله” مرتفعة ترى من خلالها هضبة الجولان السورى المحتل بكل وضوح، ومشهد من جبال خضراء متناغمة فى نعومتها وجمال تنسيقها، وما تتمتع به من سكون لا يقطعه سوى مشهد مرور الدوريات الإسرائيلية بكامل عدتها ذهابا وإيابا عبر الخط الفاصل بين “الهضبة” المحتلة، والقرى السورية التى جرى اقتسامها إلى نصفين،

منها ماهو تحت السيادة السورية، ومنها ماهو تحت السيادة الإسرائيلية، الفاصل بينهما سور من الأسلاك الشائكة المكهربة والملغمة لمنع عمليات الهروب أو التسلسل من الجانبين، ويفصل بينهما مسافة قصيرة ومحاطة بأسوار من الجانبين، وخلفها طريق بطول الحدود ممهد بشكل جيد لمرور الدوريات العسكرية والأمنية المعنية بالمراقبة، علاوة على أجهزة الرصد المنتشرة على طول وعرض هضبة الجولان، وفى الخلفية ترى منازل القرى السورية “الخمس” الواقعة تحت الاحتلال بشكل واضح، ومعظمهم من “الدروز” وترى السكان وهم يلوحون لنا ولأقاربهم فى الجهة المقابلة.
المشهد فى رأس “عين التينة” مأساوى، فترى أهالى القرى الخمس فى الجانبين، وهم يتحدثون لذويهم عبر مكبرات صوت، رافعين لافتات التأييد المطالبة بتحرير الجولان وإنسحاب اسرائيل منها، أوالرفض لكل الممارسات الإسرائيلية بحقهم، إضافة إلى تبادل عددا من الطلبات الخاصة التى تخص أهالى تلك القرى من الجانبين سواء من طلبات للزواج أو للدراسة أو فى الإجازات الرسمية لقضائها مع الأهل، أو إقامة أفراح لتوصيل إحدى العرائس إلى زوجها عبر الخط الفاصل، ومن خلال منفذ الأمم المتحدة فى مشاهد تعبر عن مدى القسوة والظلم بحق المدنيين والمنافى لكل مبادىء حقوق الأنسان التى يتغنى بها الغرب دون تفعليها.

وختتم الجولة ومع كل زيارة إلى مدينة القنيطرة المحررة ، بلقاء مع محافظ القنيطرة، وحديث عن الممارسات الهمجية للعدو الإسرائيلى وقوى الإحتلال، والتى لم تبق على شىء، من بشر أو زرع أوحتى حجر، فترى معظم مؤسسات الدولة من مستشفيات ومدارس وبنية تحتية مدمرة أصابها الخراب، وكان “الحديث دوما مكررا من قبل المسئولين مما يثير الملل دون إتخاذ مواقف حاسمة تنهى ذلك الوضع المأساوى سوى خطاب خشبى جرى حفظه عن ظهر قلب من قبل السوريين أنفسهم” .


فيما يرى البعض أن إصرار الحكومة على عدم إعادة الأعمار ليس بسبب عودة كامل الأراضى السورية المحتلة، وإنما من وجهه نظرهم لإستغلالهسياسيا وإعلاميا، عوضا عن عودة المهجرين إلى منازلهم بتلك المدينة وإعادة إعمارها كبادرة لحسن النوايا، ورسالة واضحة أن دمشق تسعى وترغب فى السلام والأمن والإستقرار وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ورحمة بالأجيال السابقة والراهنة والمقبلة، ولكن هيهات.. هيهات.. وليبقى الوضع على ماهو عليه وعبر استحداث مصطلحات جديدة فى الأصرار على عودة الجولان المحتلة كاملة غير منقوصة وإستعادتها عبر ماسمى بقوى الممانعة والمقاومة والتى ظلت شعارات حماسية حتى يومنا هذا ” 21|22 دون التحرك قيد إنملة، ولتدخل مرحلة التحرير فى نفق مظلم بسبب المتغيرات المتسارعة والصادمة للسوريين وللدولة وللنظام وما انتهت إلية من مؤامرة التدمير للدولة السورية لتتراجع عملية تحرير الجولان، وإلى حين تحرير معظم الأراضى السورية التى جرى إختطافها فى حرب عبثية استمرت عشر سنوات متواصلة وبتدابير قوى عظمى مع “دواعش العصر” وكافة التنظيمات الأرهابية بمختلف مسمياتها والمرتبطة بها وتحت رعاية ودعم من جماعة أخوان سوريا، وبدعم لوجستى وعسكرى منظم من الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الراعى الرسمى للإرهاب للمنطقة، وبمساندة قطر الممول الرسمى والرئيسى لكل جماعات التطرف والأرهاب فى العالم، لنشر الخراب والدمار فى المنطقة وتفتيت دول المنطقة العربية لحساب القوى العظمى لفرض نفوذها على المنطقة سعيا لتقسيم تلك الدول، ووفق مخطط ومشروع أكبر جاء تحت مسمى ” الشرق الأوسط الجديد “.

اترك تعليقك هنا
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: